Posted by Salih AlAnsari
Filed in General Health 735 views
في اهتمامنا وتخصصنا في تعزيز الصحة وتغيير الأفراد والمجتمعات والبيئات بشكل يعين على الوصول لصحة أفضلن يتعين علينا التعمق نظريا وعمليا في أفضل الوسائل لتغيير واكتساب العادات، ولدي اهتمام باكتساب عادات النشاط البدني وتحديدا المشي. وكثيرا ما أواجه حالات لأشخاص بدأوا وانتظموا في اكتساب عادة المشي لكنهم فشلوا في الاستمرار وانقطعوا عن المشي. ورأيت تناول اكتساب عادة المشي من النواحي التي وصفها العلماء ويمر بها الإنسان لاكتساب العادة وإسقاط ذلك على المشي.
يمر اكتساب عادة المشي بأربعة مراحل هي اللمحة والتجربة واستشعار الفوائد ثم الإتقان والاحتراف
1. مرحلة اللمحة
وهي مرحلة التنبه للخطر أو الطموح إلى التحسين والإنجاز وإدراك الحاجة للتغيير. وقد يكون سبب "اللمحة" اكتشاف مشكلة صحية لا قدر الله، أو حدث صحي سيئ لقريب أصيب بمضاعفات متعلقة بالخمول وضعف النشاط البدني. وقد تكون اللمحة مثلا محاضرة أو كلمة أو حتى موقفا صادما. وأحيانا تكون اللمحة حدثا بسيطا لكنه يقع في النفس بمثابة جرس إنذار صادم أو مخيف بشكل أكبر من حجمه ويحدث بعده تغيير كبير. وقد فصلت أكثر في "اللمحة" في مقال بعنوان "الصحة لحظة هداية. واللمحة بوصفها إشارة خفية مرحلة قد تأتي وقد لا تأتي، وفي هذا الصدد نستذكر لجوء الكثير من المهتمين بالتوعية الصحية إلى التركيز على نشر المعلومات لعل وعسى أن تقدم المعلومات "اللمحة" الكافية لإحداث التغيير رغم كون إشارتها ضعيفة لا نستشعرها، وعادة ولا تحدث تغييرا، إلا أن هذه الممارسة "التوعوية" وحدها تفشل كثيرا في بناء التوجهات ولا تغير السلوك.
وهذا الاعتقاد الخاطئ بفعالية نشر المعلومات يتسبب في هدر الكثير من الموارد، فكثيرا ما نستوعب المعلومات، وقد تبقى في الذاكرة لكنها لا تؤثر في التوجهات ولا تتحول إلى سلوك. ولم يعد المتخصصون في علوم السلوك يركزون كثيرا على "نشر المعلومات" وسيلة بناء السلوك أو زراعة العادة، بل يحذرون من الشعور الواهم بأن كل ما علينا هو "التوعية الصحية" بنشر المعلومات.
ومن المهم أيضا في اللمحة أن نذكر أيضا ميول الكثير من غير المتخصصين وراغبي الشهرة إلى محاولة تقديم معلومات "صادمة" ولو كانت خاطئة أو غير دقيقة وذلك على سبيل "خالف تعرف" في محاولة لتوظيف لمحة تجلب الأضواء ليسرب من خلالها معلومات مختلطة تجذب الأنظار وبشكل يلوث الحقائق ويسهم في المزيد من "صناعة الجهل".
ويتمثل أفضل استثمار وتقوية للمحة في التوعية الصحية بتقديم المعلومة بشكل أكثر تأثيرا أو تكرارها في أوقات وظروف مختلفة وبأساليب متباينة، أو تكرارها بشكل مختلف من مرة لأخرى، وأحيانا يكون تقديم الخلفية العلمية التفصيلية بلغة متقنة وبليغة ومختصرة من خلال متخصص متعمق في الاطلاع والتجارب. ومن ذلك أيضا تقديم المعلومة مع عيش تجربة عملية مثل المشي في بيئة جديدة من حيث المكان والبيئة أو الصحبة أو مع شخصيات مؤثرة.
2. مرحلة التجربة
ويقصد بها بدء السلوك في تجربته الأولى. وهذه المرحلة عادة ما تكون مهددة بالانقطاع والانتكاس قبل أن تترسخ العادة، مما يعيد التجربة لنقطة الصفر. فكيف نستثمر هذه المرحلة في بناء عادة المشي... لنفترض أن شخصا ما يريد أن يكتسب عادة المشي بانتظام، ففي هذه المرحلة عليه أن يجعل التجربة رائعة وجميلة وممتعة وشيقة ومفيدة وخالية من التجارب السلبية. وأن يجعل المشي خبرة سعيدة من كل النواحي الجسدية والنفسية والاجتماعية والروحية. فجسديا يجب أن يكون المشي ممتعا وخاليا من الألم والإجهاد وضيق النفس المتعب أو الإطالة في المدة أو المسافة أو السرعة العالية بشكل مفاجئ. لذلك دائما نقول للمبتدئين "ابدأ بما تستطيع" و "توقف إذا تعبت" حتى لا تعيش تجربة سيئة قد تجعل العودة للمشي من الغد أعراضا غير مرغوبة حتى لو لم نشعر به أثناء المشي. وأن يكون خبرة سعيدة باختيار المكان والتوقيت سواءً كان فجراً أو آخر النهار أو حتى ليلا، وسماع ما قد يبعث على السعادة والاندماج مثل سلسلة من المسموعات المسلية أو المشاهدات الممتعة أو المواد التعليمية والمفيدة. وتطوير الذات.. إلخ.
أما من الناحية الاجتماعية فيراعى أن يكون المشي مع صحبة سعيدة ومحفزة، فالصحبة الجميلة ومشاركة مجموعات المشي قد تكون محفزة للكثيرين. وقد يكون المشي وحيدا مفضلا لدى البعض مع أني أنصح حتى هؤلاء بتجربة الأجواء الاجتماعية الإيجابية المرحة ولو لبعض المرات، فمن المعروف أنه في المشي الجماعي يمر الوقت سريعا ودون أن نشعر به.
وللنجاح في التجربة أيضا، يمكن جعلها مرتبطة بممارسة أو توقيت شيء محبب ومنتظم في نظامه اليومي مثل ربطه بالعودة من العمل مباشرة، أو مع صلاة الفجر، أو قبل او بعد زيارة أي من الوالدين بانتظام...إلخ
3. مرحلة استشعار الفوائد
إذا استمتعت بالتجربة الناجحة، من الطبيعي أن تأتي مرحلة استشعار الفوائد تلقائيا، وستجد في المشي فوائد كثيرة ومن الأسابيع الأولى من بدء التجربة مثل تحسن جودة النوم والهضم والذاكرة والمزاج وأشياء كثيرة جداً تجعل الاستمرار مرغوبا وأكثر سهولة ويدفع نحو المواصلة لتحصيل المزيد والمزيد من الفوائد. وكلما استشعرت الفوائد ستجد نفسك مقبلاً أكثر على الاستمرار.
ويجب أن أقول بأن فوائد المشي الجسدية والنفسية والاجتماعية، لا تتكرر نفسها لدى الجميع ولا بنفس القدر، بل إن كل شخص له "سلة" خاصة من الفوائد لا تتكرر مع الجميع بنفس القدر. وقد يجد البعض قدرا أكبر من الفوائد لا يتكرر بنفس الدرجة لدى الجميع، كأن يتحسن النوم دون الهضم، أو الحالة النفسية دون النزول المتوقع في الوزن، أو نزول السكر المرتفع بقدر أفضل من كوليسترول الدم أو العكس لدى البعض دون البعض الآخر. وذلك تابع للفروق الفردية المعتادة بين الناس.
4. مرحلة الإتقان والاحتراف ومساعدة الآخرين
يأتي في المرحلة الرابعة الانتظام والإتقان والاحتراف، مثل مشي المسافات الطويلة وتحسين السرعة والقدرة على التأقلم في الظروف الجوية، أن بالانتقال إلى ممارسة المشي في الطبيعة (الهايكنج) والانتظام في السفر والمواسم الاجتماعية. وكثيرا ما "يصاب" البعض بإدمان المشي وعدم الراحة أو القدرة على التوقف عن المشي، وهو إدمان حميد. كما يكتسب الشخص في هذه المرحلة القدرة على إغلاق "صندوق الأعذار" وإيجاد الحلول للاستمرار في المشي ومعالجة النقص وتطوير التجربة. وقد يتطور الأمر لدى الكثيرين -في مرحلة متقدمة- إلى تقديم المحتوى التوعوي والتحفيزي ومساعدة الآخرين، والمشاركة في فعاليات ومبادرات المشي المجتمعية
السؤال الأهم
ما هي أهم مرحلة من المراحل الأربع يجب التركيز عليها لاكتساب عادة المشي؟
إنها مرحلة التجربة، فالتجربة الجميلة تتكرر بشكل أسهل وقليلا من تنقطع. فتوفير أسباب المتعة في التجربة من الأسرار التي يغفل عنها الكثيرون، أما بسبب بدء المشي بدون توجه أو خبرة أو دوافع قوية ومستدامة، أو بسبب الاستعجال الذي كثيرا ما يتلوه توقف وانتكاس.
ولأستفيض أكثر في تبرير الاهتمام بمرحلة التجربة، أشير إلى أن الدماغ البشري مصمم بطريقة تجعل الممارسة وعيش التجربة أكثر نجاحا من "إمطار" الدماغ بالمعلومات. فقد ثبت أن التجربة والممارسة السليمة لاكتساب العادات هي التي "تسلك" في الدماغ "مسارات" تكوين العادة الجديدة وتوسع "المسارات" العصبية، وهذا ما يسمى "المرونة العصبية" (Neuroplasticity) وهو ما يحتاج التدرج والاستمرار في ممارسة السلوك مرة بعد الأخرى. ولذلك نقول للمبتدئين "عد غدا" للاستمرار في "تسليك" "مسارات" صنع العادة في الدماغ، لتسهم في استمرار تجربة المشي واتقان قدرات التغلب على ما اسميه "صندوق الأعذار"
ختاما
اجعلوا تجربة المشي ممتعة وسعيدة، وأعدكم بأن تستمروا، وتحصلوا خبراتكم الخاصة في المشي الصحة والسعادة وجودة الحياة
ودمتم سالمين
د. صالح بن سعد الأنصاري
@Salihalnsari
الأستاذ المساعد في طب الأسرة والمجتمع
المشرف على مركز تعزيز الصحة
@SaudiHPC